- Unknown
- 4:04 ص
- وقائع
- لاتوجد تعليقات

-5-
العدّ العكسي !
أعتذر بشدة عن تأخري الطويل في وضع تتمة القصة لمشاكل كثيرة يطول شرحها، فأرجو أن يسامحني القراء الأفاضل
كما أطلب ممن يستطيع أن يتكرم ببعض الوقت، حتى يراجع الحلقات السابقة، وهي قصيرة على كل حال حتى ينعش ذاكرته بعض الشيء
وتقبلوا اعتذراي الحار أحبتي..
1- التجلي الأول
2- الضمّادات !
بقيَ يومان على الموعد الموعود !
كنتُ أرى في الليالي الأخيرة أحلاما وكوابيس غريبة، هي مزيج من الحبّ والرّعب !.. روقية تحمل قطا ميتا تُقدّمه لي عربونا لحبها !.. قطّ يلبس بذلة ويحمل في يده باقة ورد، يتقدّم لخطبتي !.. مُراد صاحب الدكّان يسرق ضمّادات مُتّسخة من القُمامة !.. الشمطاء تعترف لي - وهي تبكي - أنها تُحبّني بجنون !.. وأشياء غريبة من هذا القبيل..
المفروض أن هذه الأحلام هي الشيء (الفانتازي) الوحيد في حياتنا الروتينية، إذ لا يُمكنك أن تقفز من أعلى الدرج إلى سفحه بخطوة واحدة إلا في الأحلام.. لا تستطيع أن تتواجد بأمكنة وأزمنة مختلفة إلا هناك.. في الأحلام. لا تجرؤ على السقوط من حالق - من غير سبب واضح - أو أن تسبح في السماء بسعادة شاعرا بدغدغة محببة في بطنك إلا في مملكة الأحلام..
وإني أعتقد أن رسالة روقية لي هي الدليل الماديّ الوحيد الذي يُثبتُ فزعي وصراخي تلك الليلة وإلا لشككت أن كل ذلك كان حلما.. أو كابوسا على وجه الدقة !
وأيا كان تفسير الأحلام الفانتازية التي تُعرض لبني آدم ليلا فهي تبقى متنفسا مُريحا إلى حدّ ما.. ما لم تنتقل بعض هذه (الفانتازيا) لعالم الواقع كما حدث معي !.. وهذا - صدقوني - غير مريح ألبتة !
* * *
صادفتُ روقية هذا المساء وأنا خارج من الدكّان أحمل خبزتين في يدي، فحدجتني بنظرة نارية مخيفة ورفعت أنفها في استعلاء مضحك.. ثم إنها صرخت في وجه مراد - صاحب الدكّان - كأنما تصرخ في وجهي..
- أنت !.. أعطني خبزا وعلبة طماطم.. تبا !
فغر مُراد المسكين فاه متعجّبا ثم حوّل نظره إليّ في عدم فهم، فابتسمتُ وأشرتُ لنفسي - من طرف خفيّ - أريد أن غضبتها عليّ أنا وليست عليه، فابتستم بدوره لما فهم..
عجيبة أحوال هذه النسوة وكيف يُفكّرن ! فإما أن تُحبّها بجنون وتنتحر من أجلها.. وإما أن تكون أسوء كائن على وجه الأرض وأحقرهم !.. عجبا !
وبعد لحظات من هذا السخف كنتُ في البيت أمضغ شيئا يُمضغ وأنظر بثبات إلى خزانة كتبي ليتمثّل بذهني القرار التالي: سأحرق هذه الكتب اللعينة !
ولم أتوانى كثيرا، فسرعان ما جمعتها في صندوق وهبطت السلم من فوري محاذرا لئلا أسقط فيُدقّ عنقي، فبعض الدرجات متآكل هنا و..
ما هذا ؟
تعثرت رجلي بشيء ما على الدرج، فتماسكت بصعوبة لأنجو من سقطة مريعة ! أزحتُ الصندوق الضخم عن وجهي قليلا لأرى الشيء الذي اصطدمتُ به.. ثم صرخت صرخة مدوّية !
لقد كان القطّ إياه يقف بين قدميّ ويرفع رأسه ناحيتي، ينظر لي بثبات و(براءة) مخيفة !
ألقيتُ الصندوق فزِعا وعدتُ القهقرى دون أن أفارق القط خشية أن يقفز على وجهي فيمزقه.. ثم تعثرت فسقطتُ لتستقبل يداي المبسوطتان الدرج البارد..
صوت باب يُفتح فوق.. ثم صياح الشمطاء المعروف:
- تبا لكم يا أوغاد.. يا قليلوا التربية، ألن تكفوا عن الصراخ في بيوت الناس عليكم لـ...
طبعا هي حسبت أن صرختي دعابة من دعابات عصابات الأطفال تلك التي تصرخ في كل درج وتقرع جرس كل باب تُصادفه..
سمعت صوت غلق الباب الحانق، وأنا أواصل زحفي البطيء نحو أعلى، اقتربتُ من قمة السلّم وعيناي لا تفارقان تلك العينين المشقوقتين اللتان تشعّان وسط الدّرج المظلم ظلمة رمادية خفيفة زادت من هلعي..
الكتبُ تناثرت من الصندوق وتبعثرت على الدرج..
ثم دار القط الشيطاني على نفسه فجأة منصرفا بهدوء وحكمة بعد أن بلّغ رسالته بوضوح !
لا يمكنني إحراق الكتب.. قُضي الأمر !
* * *
كنتُ في حاجة ماسّة لأن أكلّم أحدهم في الموضوع وأفضي إليه بما ينتظرني بعد يومين من الآن.. لكن الأمر كان سريا للغاية، وقد حُذّرتُ من إفشائه. وهكذا وجدتُ نفسي في موقف لا أحسدها عليه مطلقا !
وقد ندمتُ أشدّ الندم على اليوم الذي اقتنيتُ فيه أول كتاب من تلكم الكتب الشيطانية، وليلتها - أي الليلة - حملتُ القلم لأكتب هذا الذي كتبتُ وأكتبه الآن، وهو الحل الوحيد الذي بقي لي لأرثي حالي وأبكيها..
كتبتُ كثيرا على ضوء الشموع ولما وصلتُ إلى الفصل الرابع الذي أسميته (ورقة التوابل) أخرجت الورقة المطوية من درجي وفردتُها أمامي لأنقل لكم ما فيها..
والذي أثار انتباهي - لأول مرة - هو خطّها.. كيف لم ألحظ من قبل أنه خط جميل أنيق ؟ كيف لم أنتبه إلى جرعة الصّدق العالية في كلماتها.. كيف لم أفطن إلى القسوة البالغة التي كتبتُ بها جوابي لها !..
أنّبتني مطارق الضمير كثيرا، حتى كدتُ أكتب لها رسالة اعتذار، لكن هيهات.. فجروح القلب ليس لها التئام كما يقولون !
وهكذا اكتفيتُ بأن تنهّدتُ بأسى وهمستُ: فلتسامحيني يا روقيّة !
* * *
بقي يوم وحد !
اليوم سبت، وهو يومُ عطلة.. وقد رأيتُ أن أمضيه بالخارج لاحتمال أن يكون آخر يوم عادي أو آخر يوم بحياتي على الإطلاق !
عرجتُ عند أسامة.. وأقول "عرجتُ" بالمعنى الحرفي هنا فقد كان كاحلي يؤلمني من أثر سقطتي بالدرج. ثم توجهنا لصيد السمك كعادتنا.
يوما ممتعا كان، باستثناء ذلك القط الذي ظهر بين مجموعة القطط التي نعرفها تطوف علينا في كل مرة.. تطلب لقيمات تسد رمقها. رمى لهم أسامة بعض السمك الصغير وبقايا الطعم الذي اصطدنا به فأكلوا بشراهة وتشاجروا ثم انصرفوا جميعهم إلا ذاك القط.. فما أكل وما تشاجر وما انصرف.. وإنما ظل مكانه ينظر لي بثبات.. وقد كان هو طبعا..
لم يلحظه أسامة ولم يكترث لأمره، وإنما لحظته أنا، وسمعتُ قوله أنا !
كان يذكرني بميعاد يوم غد !
* * *
لم أخبر أسامة بشيء من ذلك كله، فقط بلعتُ ريقي وأنا أجمع حاجياتي مغادرا الصخر الذي كنا نقعد عليه.. ونبهني أسامة مستغربا إلى يدي التي ترتعش !
كان يوما ممتعا باستثناء ساعة يدي الإلكترونية التي بدأت من تلقاء نفسها العدّ العكسي للدقائق المتبقية على الموعد ! لكني أعتقد لحدّ الآن أني من شغّل ذلك العدّ العكسي بشكل ما.. نعم هذا وارد كل الورود، أليس كذلك ؟
ولكنه كان يوما ممتعا على كل حال.. كنتُ أحسبُ نفسي نشطا وحيويا وإن كان رأي أسامة أني كنتُ مذعورا جدا ! ولا أدري كيف ذلك ؟.. أعتقد أن رأي الناس فينا - أحيانا - يكون غريبا بعض الشيء..
كنتُ - عند نفسي - قد قضيتُ عطلة نهاية أسبوع مذهلة.. وإن قال لي مراد صاحب الدكان مساءً أنه يبدو كأنما سيُغمى علي !
كنتُ سعيدا بعض الشيء وأنا أصعدُ الدرج، وإن كان أُغمى عليّ عند عتبة الباب قبل أن أولج المفتاح في القفل !



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق